ابن الجوزي
24
صيد الخاطر
وأقام بها خمس سنين يخدم نفسه بنفسه ، ويغسل ثوبه . ويطبخ ويستقي الماء من البئر ، ولا يتمكن من خروج إلى حمّام ولا غيره . وقد قارب الثمانين ، ويقال إنه بقي خمسة أيام في السفينة حتى وصل إلى واسط لم يأكل فيها طعاما . وذكر عنه أنه قال : قرأت بواسط مدة مقامي بها كل يوم ختمة ما قرأت فيها سورة يوسف من حزني على ولدي يوسف « 1 » . والذي ذكره أبو الفرج بن الحنبلي عن طلحة العلني : ان الشيخ كان يقرأ في تلك المدة ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء أو أربعة من القرآن . وبقي على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين ( 595 ) فأفرج عنه ، وقدم إلى بغداد ، وخرج خلق كثير يوم دخوله لتلقّيه ، وفرح به أهل بغداد فرحا زائدا ، ونودي له بالجلوس يوم السبت ، فصلى الناس الجمعة ، وعبروا يأخذون مكانات موضع المجلس عند تربة أم الخليفة ، فوقع تلك الليلة مطر كثير ملأ الطرقات ، فأحضر في الليل فراشون و ( روز جارية ) ، فنظفوا موضع الجلوس وفرشوا فيه دقاق الجص والبواري ، ومضى الناس وقت المطر إلى قبر معروف تحت الساباط حتى سكن المطر . ثم جلس الشيخ بكرة السبت وعبر الخلق وحضر أرباب المدارس والصوفية ومشايخ الربط . وامتلأت البرية حتى ما كان يصل صوت الشيخ إلى آخرهم . وأعاد الخليفة الشيخ إلى بغداد وخلع عليه ، وجلس عند تربة أم الخليفة للوعظ وأنشد : شقينا بالنوى زمنا فلما * تلاقينا كأنّا ما شقينا سخطنا عندما جنت الليالي * فما زالت بنا حتى رضينا سعدنا بالوصول وكم شقينا * بكاسات الصدود وكم فنينا فمن لم يحي بعد الموت يوما * فانّا بعد ما متنا حيينا ولم يزل الشيخ على عادته الأولى في الوعظ ونشر العلم وكتابته إلى أن مات . - 28 - قال سبطه أبو المظفر : جلس جدي يوم السبت سابع شهر رمضان - يعني سنة
--> ( 1 ) أي على بعده عنه